تعد كاثلين كينيون من بين أكثر الشخصيات تأثيرًا في علم الآثار، وتشتهر على نطاق واسع بمساهماتها الرائدة في دراسة مجتمعات الشرق الأدنى القديمة. ولد كينيون عام 1906، وانجذب إلى التاريخ والبحث منذ سن مبكرة، وأصبح لاحقًا قوة محورية في الطريقة الأثرية الحديثة وتفسيرها.
طرق التنقيب الثورية
منذ عملها الميداني الأول، دافعت كينيون عن نهج منهجي وعلمي للتنقيب. ربما اشتهرت بتطوير وتعميم المنهجية الطبقية المعروفة باسم طريقة Wheeler-Kenyon، والتي تم تطويرها بالاشتراك مع Mortimer Wheeler. ركزت هذه التقنية على الحفر في المربعات المقاسة بعناية وتحليل الأجزاء الرأسية من التربة، مما يسمح بالتوثيق الدقيق والفهم الأفضل للطبقات الأثرية بمرور الوقت.
اكتشافات رائدة في أريحا
حدث أحد أكثر إنجازات كينيون شهرة في مدينة أريحا القديمة، الواقعة بالقرب من نهر الأردن في الضفة الغربية. تحدت أعمال التنقيب التي قامت بها في الخمسينيات من القرن الماضي المعتقدات القديمة حول التسلسل الزمني وتطور المستوطنات الحضرية. قبل عملها، اعتقد العديد من علماء الآثار أن التحضر بدأ في وقت لاحق. كشفت عمليات التنقيب الدقيقة في كينيون وأساليب التسجيل التفصيلية عن طبقات من الاحتلال تعود إلى 10000 قبل الميلاد. أدى هذا الاكتشاف بشكل فعال إلى تأخير الجدول الزمني المعروف لواحدة من أقدم مدن العالم وسلط الضوء على تطور السكن البشري المبكر.
بالإضافة إلى إنشاء إطار زمني منقح لأريحا، تضمنت اكتشافات كينيون بعض القطع الأثرية المذهلة حقًا. اكتشفت برجًا حجريًا ضخمًا وجدارًا دفاعيًا، يعود تاريخ كلاهما إلى حوالي 8000 قبل الميلاد، مما سلط الضوء على محاولات المدينة المبكرة للتخطيط الحضري وتنظيم المجتمع. قدم اكتشاف سلسلة من الجماجم البشرية المجصّمة، التي يُعتقد أنها كانت جزءًا من ممارسات عبادة الأسلاف حوالي 7000 قبل الميلاد، رؤى قيمة للحياة الروحية والاجتماعية لسكان أريحا الأوائل. كانت هناك أيضًا أدلة قوية على الزراعة المبكرة، مثل تدجين القمح والشعير، مما يشير إلى دور أريحا في تطوير المجتمعات الزراعية المستقرة.
تأثير دائم على الممارسة الأثرية
لم يقتصر تأثير Kenyon على الابتكار التقني فقط. أكد عملها الدقيق على أهمية التسلسل الزمني في علم الآثار، مما ألهم الأجيال القادمة من الباحثين لتطبيق نفس الدقة. عززت مشاركتها المفتوحة للنتائج وتعاونها مع الباحثين الدوليين حقبة جديدة من الشفافية والخطاب الأكاديمي في التخصص. على الرغم من أن بعض تفسيراتها قد تم تنقيحها أو مناقشتها منذ ذلك الحين، إلا أن تفاني كينيون في العملية المنهجية يظل نموذجًا للبحث الأثري في جميع أنحاء العالم.
يُذكر كينيون اليوم كواحد من الرواد الحقيقيين في علم الآثار - شخص أدى فضوله الدؤوب ورعايته المضنية ورؤيته الجريئة إلى توسيع فهمنا للمجتمع البشري المبكر بشكل كبير. يستمر إرثها في علماء الآثار الذين يستخدمون أساليبها وفي الحفريات الجارية في مواقع مثل أريحا، حيث يعتمد كل اكتشاف جديد على الأسس التفصيلية التي أنشأتها لأول مرة.
لا تجعلها حياة كاثلين كينيون وعملها رائدة فحسب، بل مصدر إلهام أيضًا. إن صرامتها الفكرية واهتمامها بالتفاصيل وسعيها لإعادة التفكير في الروايات الراسخة تذكرنا بأن هناك دائمًا المزيد لاكتشافه - وأحيانًا يكمن التاريخ تحت أقدامنا.